حيدر حب الله
203
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
فبدل التفسير التجزيئي المفرداتي الذي يفترض وجود ساق وكشف ونحو ذلك ، قال كثيرون - من الإمامية والمعتزلة وغيرهم - بأنّ العرب تستخدم هذا التعبير بوصفه كلمةً واحدة ، فتفسّر الجملة بجملة ، وكأنّنا نشرح مفردةً واحدة ، والمعنى : يوم يشتدّ الأمر ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، أي اشتدّت . وهناك نزعة في التفسير - وهي التي تميل إلى إنكار المجاز أو تقلّل من أهميّته ، وقد شهدنا لها حضوراً في بعض الأوساط مؤخّراً - تحاول أخذ الآيات القرآنية بعيداً عن عالم الكنايات والاستعارات وغير ذلك ، فتفسّر النصّ تفسيراً أشبه ما يكون بالترجمة الحرفيّة للكلمة العربية ، وهو ما ظلّ يستأنس به التيار الصوفي في بعض الأحيان عبر التاريخ ، فإذا قال القرآن بأنّ الكافرين ( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ) ( نوح : 25 ) ، قالوا وكأنّهم يترجمون الكلام بطريقة حرفيّة : إنّ هؤلاء أغرقوا ، ومن يغرق يدخل البحر ، فالبحر هو النار الآن ، فهذه هي صورته الملكوتية التي تنكشف يوم القيامة ، فيحصل أنّ البحار تسجّر فتشتعل ناراً ، وإلا فهي من الآن نار . وفي حقيقة الأمر فإنّ جزءاً لا بأس به من الخلافات الفكرية اليوم ترجع إلى هذا الخلاف المنهجي في فهم النصّ الديني . قال الشيخ الطوسي في ( تفسير التبيان 9 : 233 ) : « وقوله : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) قيل في معناه ثلاثة أقوال : أحدها : قال الحسن فما بكى عليهم - حين أهلكهم الله - أهل السماء وأهل الأرض ؛ لأنهم مسخوط عليهم مغضوب عليهم بإنزال الخزي بهم . الثاني : إنّ التقدير أنّ السماء والأرض لو كانتا ممّن يبكي على أحد إذا هلك لما بكتا على هؤلاء ؛ لأنّهم ممّن أهلكهم الله بالاستحقاق وأنزل عليهم رجزاً بما كانوا يكفرون . والعرب تقول إذا أرادت أن تعظّم موت